الرأي

حقيقة ما دار بين القيفي والخالدي من أشعار

علي صالح الخلاقي

منذ بدء المساجلات الشعرية المثيرة والساخنة بين القيفي والخالدي في مطلع العام 1981م وعلى مدى السنوات اللاحقة,لم يكن يتبادر إلى أذهاننا, ولو بذور الشك, أن الشاعر الكبير شائف الخالدي هو نفسه أحمد علي طاهر القيفي ولم نسمع من يقول مثل ذلك، وكان السائد حينها أن القيفي شاعر كبير وند قوي للخالدي وأن له شهرة واسعة في قيفه ومحيطها لا تقل عن شهرة الخالدي في يافع ومحيطه من مناطق الجنوب. بل إن هذه المساجلات قد استقطبت حولها دائرة واسعة من ألمع الشعراء الشعبيين من الشطرين. ولا شك أن استدراج تلك الأعداد الكبيرة والمميزة من الشعراء الشعبيين إلى الخوض في هذه المساجلات قد زاد من شعبيتها وأعطاها نكهة خاصة ومستحبة لدى المتلقين الذين تثيرهم المواجهات الشعرية الساخنة, خاصة حين تأتي من شعراء لهم مكانتهم وشهرتهم في الوسط الاجتماعي, فضلاً عن كونها تلامس قضايا عامة وهموم وطنية واجتماعية هي مثار اهتمام غالبية الناس, لذلك أقبل عليها جمهور واسع من مختلف مناطق الشطرين وكانوا يترقبون نزولها بولع وشغف كبيرين أولاً بأول ويستمعون إليها مغناة في أشرطة الكاسيت بأصوات المطربين الشعبيين.
وبمرور الأيام أخذت أعداد الشعراء الشعبيين ممن دخلوا في غمار هذا النـزال الشعري تتزايد وأخذت قصائدهم تتدفق وتتلاحق من مختلف المناطق في الشمال والجنوب حاملة ردود أفعالهم وآرائهم ويتوجهون بها إلى الخالدي والقيفي معاً, ورغم أن ردود الخالدي على هؤلاء الشعراء تظهر أولاً بأول مجلجلة ومدوية, فإننالم نسمع أن القيفي طوال سنوات المساجلات, التي استمرت خلال الفترة (81- 1989م), قد رد على أحدٍ منهم وكأنه غير معني بما يدور من جدل وصراع حامي الوطيس يفترض به أن يكون أحد طرفيه الرئيسيين, بل إن الخالدي بدهائه استدرج, بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, شعراء كثيرين إلى حلبة هذه المنازلات الشعرية للإدلاء بدلوهم في القضايا التي تتعرض لها تلك المساجلات. وكنت في تقديمي لـ(مساجلات الصنبحي والقيفي) قد قلت: “إن مساجلات القيفي والخالدي كانت سبباً في بداية الجدل المثير والساخن،لكنه الممتع والطريف بين الصنحبي والخالدي من خلال مساجلاتهما الشعرية التي لم تنقطع إلاَّ بوفاة الخالدي”( ).
وبعد عام على بدء هذه المساجلات بعث الشاعر الشعبي علي محمد الجليل القويمي من محافظة البيضاء قصيدة إلى الخالدي والقيفي أواخر 1982م ضمنها مشاعر قلقه وخشيته من عواقب الموضوعات التي تثيرها هذه المساجلات لأنهم (يسبُّون بها أرضنا ويربشون الجميع)على حد قوله:
قال القويمي لَيْه يا ابن الخالدي
انته ويا القيفي تسبون أرضنا
احنا نقدركم ولا انتوا تعرفوا
سبيتوا الماضي وقمتوا ضدنا
غلطان يا القيفي وأبو لوزه غلط
ذي تربشون اصحابكم وأصحابنا
وكان المفترض أن يرد عليه الطرفان, لكن الرد جاء من الخالدي فقط, أما القيفي فلم يحرك ساكناً وكأن له أذن من طين وأخرى من عجين. وكان الخالدي في رده واضحاً وصادقاً وهو يهدئ من رَوْع الشاعر ويخفف من قلقه مطمئناً إيَّاه بأن الوطن فوق الشبهات ولا يجرؤ أحد على أن يسبه لأنه وطننا كلنا, ونحن معاً “يمن واحد وكتلة واحدة” ولا قصد لنا سوى توحيد الصفوف, يقول الخالدي:
ما حد شتم أرضه ولا سب الوطن
لِنْ الوطن واحد وَطَنّا كلنا
واحنا يمن واحد وكتله واحده
ما قصدنا الاَّ لا توحد صفنا
هذا وأنا والصنبحي وأحمد علي
ما قول للساعة كفى أو عادنَا
وهكذا, وعلى مدى سنوات هذه المساجلات انبرى الخالدي يرد وحيداً على كل الشعراء الشعبيين الذين دخلوا على الخط بين معارض ومؤيد ومحايد, يصارع هذا ويقارع ذاك ويحاجج ثالثاً ويفند آرائه لكل منهم على حدة, على كثرتهم, ولم يتخذ من غياب ردود خصمه المفترض القيفي حجة يفاخر بها أمام الشعراء الشعبيين لأمر يضمره ولا يريد لأحد إن يعرفه, على الأقل في حياته, وهو أن هذا الخصم الوهمي من صناعته، وأنه هو نفسه المعني بالرد عليه, ولهذا السبب كان الخالدي أحرص من غيره على إخفاء هذه الحقيقة التي لم يتنبه لها أحد طوال حياته.
موت الخالدي و”وهمية” القيفي
منذ وفاة شاعرنا شائف الخالدي, في 31ديسمبر1998م, يدور لغط وجدل وأحاديث كثيرة لم تتوقف حتى اللحظة حول حقيقة مساجلاته مع الشاعر أحمد علي طاهر القيفي (أبو زايد), بين مشكك بوجود الأخير أصلاً, وبين قائل بوجوده كشخص لكنه ليس بشاعر وليس له صلة بالمساجلات التي ابتدعها الخالدي ونسبها إليه. وزاد من هذا الاعتقاد أن عشرات الشعراء الشعبيين من مختلف المحافظات قد نظموا قصائد رثاء بوفاة الفقيد الكبير الخالدي, فيما غاب عن قائمة هؤلاء أحمد علي طاهر القيفي. بل إن الفنان حسين عبدالناصر السعدي, الذي ارتبط بعلاقة فنية وصداقة شخصية حميمة مع الخالدي وغنّى له أكثر من مائة كاسيت قد فجر قنبلة مدوية عشية وفاة الخالدي حينما قال في شريط له قدم فيه بصوته بعض المراثي الشعرية في الفقيد الخالدي:”إن القيفي قد مات في نفس اليوم وفي نفس الساعة وفي نفس الدقيقة التي مات فيها الخالدي ودُفن معه في نفس القبر”.
وبغية جذب من يهمهم الأمر لقول ما لديهم, كنت في مقالتي بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر الشعبي الكبير شائف الخالدي التي نشرت في صحيفة” الثقافية ” (العدد175 في 16/1/2003م), تحت العنوان الذي وسمت به هذ التقديم “شاعر أحيا النقائض وحلق بأشعاره في سماء المجد”, قد حرصت على إثارة هذا الموضوع على نطاق أوسع من خلال الصحافة الثقافية, وتحت عنوان فرعي” بين القيفي والخالدي” كتبت: “وهناك لغط كثير حول اسم الشاعر أحمد علي طاهر القيفي “أبو زايد” الذي تبادل مع الخالدي (11 قصيدة) من أروع المساجلات الشعرية منذ الفترة 81-1989م, ويشك البعض ممن يعرفون الشيخ أحمد في أن تكون تلك القصائد من نظمه، لأنه ليس بشاعر, ويذهبون إلى أن الخالدي, ربما باتفاق مع هذا الشخص الذي تربطه به صداقة إبان عهد التشطير,قد أراد أن ينتقد بعض الممارسات الخاطئة في الجنوب آنذاك على لسان غيره, فأبدع بقريحته قصائد البدع والجواب التي عُرفت واشتهرت آنذاك, وهذا الأمر أكده أقرب أصدقاء المرحوم الخالدي المطرب حسين عبدالناصر، ومثل هذا التأكيد حصلت عليه من الشاعر أحمد عبدربه المعمري وهو صديق للمرحوم من محافظة ذمار, ثم أن أحداً لم يسمع بالشاعر أحمد علي طاهر بعد آخر قصيدة عام 1989م, كما لم يكن ضمن أسماء الشعراء الذين رثوا الخالدي, على كثرتهم, من أرجاء الوطن, ويظل هذا السر الدفين بحاجة إلى الكشف عن حقيقته, وهو ما نرجو أن يفصح عنه الشيخ أحمد علي طاهر القيفي نفسه, أمانة للتاريخ ووفاء وإخلاصاً للحقيقة التي لا بد أن تنجلي”. ومع كل ذلك وحتى لو أسلمنا بفرضية بفرضية أن يكون القيفي شخصية موجودة فعلاً تعرف إليه الخالدي واتفق معه على أن يجعله واجهة علنية كشاعر لهذه المساجلات دون أن يكون له فيها لا ناقة ولا جمل. فإن كتمان مثل هذا الأمر ينبغي أن لا يطول ولا بد أن يصحو ضميره ويستيقظ من غفوته للإفصاح عن الحقيقة التي تعد في مثل هذه الحالة أمانة في عنقه لأنه الشخص الوحيد الذي ستكون كلمته هي القول الفصل. ولكن ما يبطل هذا الافتراض أن من يعرفون مناطق قيفة جيداً ممن التقيناهم لم يؤكدوا وجود شاعر باسم أحمد علي طاهر, ولو كان كذلك لكانت شهرته واسعة ولكان لأشعاره صدى في محيطه القريب قبل البعيد ولعرفنا أن له أشعاراً أخرى ومساجلات مع شعراء آخرين.
ولقد قيض لي في مهرجان يافع السنوي التقليدي في فبراير 2004م، أن أتعرف على الشاعر الشيخ سيف جحلان النقيب الذي جاء للمشاركة من قيفة. كنت حينها أقدم برنامج الاحتفال, وكالعادة يتاح للضيوف من المناطق والمحافظات الأخرى تقديم قصائدهم قبل نظرائهم من أبناء المنطقة كواجب تقتضيه الضيافة والتقاليد المتبعة في مثل هذه المناسبة, وبعد الاحتفال تعرفت على الشاعر, وقدمته أيضاً في مهرجان الموسطة في اليوم التالي. وبعد التعارف تطرقنا إلى ما يدور بين الناس من شكوك حول حقيقة وجـود شاعر اسمه أحمد علي طاهر, وسألته هل هناك شاعر في قيفه بهذا الاسم ؟ أطرق برهة صامتاً وكأنه يفكر فيما يقول, وبطريقة دبلوماسية مهذبة قال: سأتصل بك بعد أيام وأعطيك تلفون أحمد علي طاهر. قلت له: هل هو الشاعر الذي تساجل مع الخالدي؟ ولم يجب على السؤال واكتفى بالقول: سيتصل بك وبإمكانك أن تتحدث إليه بنفسك. ولم أفلح في انتزاع إجابة شافية, لكن الشك خامرني أكثر حول شاعرية أحمد علي طاهر، ومبعث هذا الشك الإجابة غير المباشرة للشيخ سيف, ولو كان أحمد علي طاهر هو الشاعر المقصود الذي أبدع تلك المساجلات لما تحفظ في الرد. ومع ذلك قلت لنفسي لا باس من التريث, وبعد أيام أوفى الشيخ سيف جحلان بوعده وكان معي على الخط بجانبه أحمد على طاهر, واتفقنا على لقاء يجمعنا في صنعاء للأخذ والرد حول هذا الموضوع ومعرفة الحقيقة بتفاصيلها كاملة منه, إن كان له صلة فعلية فيها,ولكن خاب أملي إذ تكرر اتصالي به ولم أجد إلاَّ تهرباً منه, حتى إنني ذات مرة ذهبت إلى صنعاء من عدن بعد اتفاق معه, وكان حينها, كما علمت منه، في طريقه من الحديدة إلى صنعاء. ومكثت منتظراً عدة أيام، ولم يصل, ومع كل هذا التهرب لم يجد اليأس إلى نفسي طريقاً فكررت التواصل معه تلفونياً, وذهبت معه إلى الباب, فلم أفلح في الحصول على جواب. ولكن حين عرفت السبب, من وراء تماطله هذا, بطل العجب. فقد أكَّد لي الشيخ قاسم ثابت العيسائي, وهو من أقرب أصدقاء الخالدي وكان يحل لديه ضيفاً في منزله كلما زار صنعاء قبل وبعد الوحدة, أكَّد أن ذلك الشخص الذي يقصده الشيخ سيف لا صلة له بالشعر, ويتذكر أنه ومعه الشاعر الشيخ أحمد عبدربه المعمري وآخرين قد ألحَّوا على الخالدي, حين كان في ضيافته بصنعاء بعد الوحدة, على أن يعرفهم بالشاعر أحمد علي طاهر, ويبدو أن الخالدي قد عرف بطريقة ما أنه يوجد شخص بنفس اسم ذلك الشاعر ولديه فندق في صنعاء, فاصطحبنا إلى ذلك الفندق وأراد أن يقنعنا بأن ذلك الشخص هو الشاعر القيفي نفسه. ويتذكر الشيخ قاسم قائلاً:”حين وصلنا أنا والخالدي والمعمري ومعنا أيضاً الأخ حسين عوض البعالي إلى صالة الفندق سالنا عن أحمد علي طاهر ,فأجابنا صاحب الفندق: نعم أنا أحمد علي طاهر, وظن إننا نرغب في النزول لديه في الفندق, وبدا واضحاً أنه لم يكن يعرف الخالدي, فقلنا: هل أنت الشاعر الذي تساجل مع الشاعر شائف الخالدي, فأجاب بالنفي, وقال: أنا أحمد علي طاهر من آل الحطام ولدي هذا الفندق وآخر في رداع. وأثناء الحوار ظل الخالدي صامتاً وبدى وكأنه وقع في ورطة يريد الخروج منها بطريقة ذكية, فأخذنا جانباً وقال: هذا شخص آخر. وقد ظل الخالدي بعد ذلك يوهمنا بأن أحمد علي طاهر شيخ وشاعر مشهور,بل وتحدث عن زيارة قام بها إلى قيفة وقوبل هناك باستقبال شعبي كبير وبحفاوة بالغة, وحين طلبنا منه أن يدعو القيفي لزيارة يافع, كان يقول أنه وجه له الدعوة ووعده بأنه سيزور يافع في احتفالات العيد. ولما لم تتم تلك الزيارة وانقطعت المساجلات, كنا نسأل الخالدي في لقاءات متعددة معه في عدن أو صنعاء أو يافع أين القيفي وأين أشعاره ومتى نراه يزور يافع أو نتعرف إليه في صنعاء أو قيفه؟! ولم نكن نحصل منه على إجابة شافية , فمرة يقول: إن أحمد علي طاهر ترك الشعر وانشغل بالعلم والعبادة , وتارة يقول أنه توجه إلى مكة وفضل البقاء هناك, وكان يتهرب من الإجابة على مثل هذا السؤال”.
وهكذا تشير كل الدلائل والشواهد إلى أن الخالدي هو من ابتكر هذا الأسلوب التحريضي المؤثر, ليس فقط لما أثير من كلام وطُرحت من آراء تؤكد هذا الاعتقاد, بل ولما قوبلت به من صمت وهروب من شخص القيفي, وكأن سكوته هو علامة الرضا كما يقول المثل الشعبي. وبعد كل ما اسلفنا,قلت في نفسي لو أن ” القيفي ” شخصيا هو الشاعر المعني بهذه المساجلات لسمعنا منه بعد كل هذه الإثارة شيئا ما يقوله, ولرد أولاً بأول ومباشرة على كل ما يثار من شكوك حول شخصيته وعلى ما يقال بحقه كشاعر “وهمي” ولتحرك رافعاً عقيرته ليثبت وجوده ويؤكد شاعريته المطعون فيها صارخاً بصوت جهوري” أيها الناس ها أنا ذا أعيش بينكم وأقول الشعر ولم أمت – كما يشاع – في نفس اللحظة التي مات فيها الخالدي ولم أدفن في قبره”, أما أن يصمت هذا الصمت المطبق والطويل, وتجف أو تموت موهبته الشعرية التي لم نعد نسمع بها ولم نعرف عنها شيئاً, عدا تلك المساجلات المثيرة, فإن مما لا غبار عليه- بعد كل هذا – أنه شاعر وهمي حقاً أو شخص طابق اسمه الثلاثي بالصدفة.

التتمة غداً

(لماذا ابتكر الخالدي شخصية “القيفي الوهمية”؟!)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى